التقارير و المقالات

مقال/ رحلة الكاظمي إلى ماما أميركا

د. باهرة الشيخلي

منذ أن شنّ أبوعلي العسكري، المتحدث الأمني باسم كتائب حزب الله العراق، أحد الفصائل العسكرية الموالية بشدة لإيران في العراق، هجوما عنيفا على رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، في يونيو الماضي، مع الجولة الأولى للحوار الاستراتيجي مع واشنطن، التي جرت في بغداد، واصفا إياه بعميل الأميركيين و”المسخ الغادر”، وهدد العسكري رئيس الحكومة بالعقاب و”العذاب”، قائلا “نتربص لكم”، والشارع العراقي متخوف من انقلاب عسكري تنفذه الميليشيات ضد حكومة الكاظمي، وتزداد هذه المخاوف مع مغادرة الكاظمي إلى واشنطن في العشرين من الشهر الحالي لإجراء الجولة الثانية من الحوار الاستراتيجي مع واشنطن.

ومنذ أن استعرضت الميليشيات الموالية لإيران، في يونيو الماضي، عضلاتها في بغداد لإظهار أنها الأقوى في البلاد، يعيش العراقيون حالة من الترقّب وشدّ الأعصاب، وحبس الأنفاس، وأحس الجميع بأنهم يعيشون في شريعة الغاب ليس إلا.

فمواجهة هذه الأزمة المستعصية تهدد بهدم أركان الدولة العراقية، التي وعد الكاظمي بإعادة الهيبة إليها، وسط أزمات خانقة يعيشها الوضع العراقي، مثل جائحة كورونا، تغوّل الأحزاب السياسية وفسادها، الأزمة الاقتصادية، لجوء الحكومة إلى القروض، تعثر معاشات المتقاعدين، هيمنة الأحزاب على واردات المعابر الحدودية، وتهريب النفط من كردستان بصفة غير شرعية، وغيرها من الأزمات، التي تفتح أبواب العراق على جميع الاحتمالات، كما يقول الكاتب والروائي العراقي شاكر نوري.

طمأنت حكومة الكاظمي الأميركيين إلى أنها ستجرد الميليشيات من سلاحها الدموي، لكن الصراع الأميركي مع إيران يخلط الأوراق، لذا وجدت حكومة الكاظمي نفسها بين السندان الأميركي والمطرقة الإيرانية.

ولعل هذا ما أشار إليه وزير الكهرباء الأسبق أيهم السامرائي، وهو مواطن أميركي، عندما قال، في حديث مطول معي، سيطالب الأميركيون في الجولة الثانية من الحوار بإنهاء رجال النظام القائم في العراق بالكامل، وسيضعون الكاظمي أمام خيار أن يذهب معهم أو أن يكون مع ثوار تشرين ومطالبهم، وإذا ما تعاون الكاظمي مع الأميركيين فستكون إيران الخاسر الأكبر في هذا اللقاء وأي لقاء أميركي عراقي أو عراقي عربي.

وكما يرى السامرائي، فإن العراق سيربح من اللقاء إعادة السيادة وحل الميليشيات وتسليم السلاح للدولة وإعادة الأمن الداخلي، والانفتاح على المتظاهرين والبدء باللقاءات الجدية معهم لتحقيق مطالبهم المعقولة والمسايرة مع ما تريده أميركا والمجتمع الدولي الآن.

وهذا يعني أن اللقاء سيكرس استمرار الوجود الأميركي في العراق، الذي قد يتخلص من نفوذ إيراني ليقع في نفوذ أميركي، فأميركا لا يمكن أن تتخلى عن دورها في العراق بوصفه إحدى منصات إدارة الصراع في منطقة الخليج العربي، وفي الإقليم كله.

ولكي يُفهم الأميركيون الكاظمي أنهم جادون في محاربة النفوذ الإيراني في العراق فإنهم سيستصدرون، قبل وصول الكاظمي إلى واشنطن، قرارا ضد حزب الله اللبناني من مجلس الأمن، لإشعاره أن العراق سيكون الصفحة المقبلة، بعد أفغانستان ولبنان.

لكن الميليشيات، المدعومة من إيران، لم تفتأ تفعل كل ما بوسعها لتغييب الدولة، والاستهانة بها، وإضعافها، لتكون في قبضتها، وقد شهدت الساحة العراقية، منذ أواخر فبراير الماضي، ولادة ثلاث ميليشيات مسلحة جديدة، هي “أصحاب الكهف”، و”قبضة المهدي”، و”عصبة الثائرين”، والأخيرة أكثرها فاعلية، من خلال بيانات وتسجيلات مصورة، هددت فيها القوات الأميركية في العراق، وهاجمت أيضا كتلا سياسية مختلفة، بسبب مواقفها من أزمة تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء.

وقد تولت الفصائل الثلاثة، الإعلان عن نفسها، بصفة مغايرة لجميع الميليشيات الأخرى، التي عرفها العراق خلال السنوات الماضية، إذ لا يُعرف لها قائد ولا متحدث ولا حتى خلفية تاريخية لولادتها، وقد بدت متشابهة في خطابها السياسي والعقائدي مع ميليشيات موجودة، عادة ما تُصنف تحت عبارة “الولائية”، في إشارة إلى ارتباطها العقائدي والفكري بالمرشد الإيراني علي خامنئي وليس بالنجف.

ارتفع منسوب الهجمات العسكرية ضد القوات الأميركية في العراق، وذلك تزامنا مع استعدادات رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي لإجراء زيارته التفاوضية الأولى إلى الولايات المتحدة في 20 أغسطس الحالي، لخوض الجولة الثانية من الحوار الاستراتيجي مع واشنطن، إذ خلال شهر واحد فقط، سُجلت خمس هجمات ضد الوجود الأميركي في العراق، كان آخرها انفجار عبوة ناسفة، استهدفت رتلا عسكريا قرب قاعدة التاجي شمالي بغداد، مما أثار تساؤلات عن الرسائل المراد إيصالها، من خلال هذه الضربات، قبل لقاء الكاظمي مع ترامب.

وهذه كلها إفرازات تنذر بفوضى، وتؤكد صورية القرارات الحكومية الأخيرة بشأن تنظيم عمل الفصائل المسلحة تحت مظلة الحشد الشعبي، وتعزيز مخاوف العراقيين بأن الميليشيات تخطط لانقلاب ضد حكومة الكاظمي، وإدخال البلد في فوضى أخرى غير مسبوقة.

يلفت الدكتور ريمون جورج، سكرتير جمعية الصداقة العراقية الأميركية، في حديثه معي إلى تأخر إعلان أسماء أعضاء الوفد العراقي، الذي سيشارك في الحوار، متذرعا بأن الكاظمي يواجه معضلة في اختيار الشخصيات المرافقة له بسبب ضغط شديد يواجهه من الكتل السياسية وميليشياتها المدعومة إيرانيا، والتي تريد زج أكثر من وكيل لطهران في هذا الوفد لتكون على دراية كاملة وتأثير في مجريات الحوار ونقاشاته ومخرجاته واشتراطها أن تكون إحدى نتائج هذا الحوار إخراج القوات الأجنبية (الأميركية) من العراق.

يسود اعتقاد في الشارع العراقي، الآن، أن هذا اللقاء، إذا انتهى من دون الإشارة إلى خروج القوات الأميركية من العراق سيكون مؤشرا على ضعف تأثير إيران وعملائها وحافزا للإدارة الأميركية في استمرار دعمها للكاظمي والوقوف إلى جانبه ليتمكن من التهيئة لمستلزمات إجراء الانتخابات المبكرة المقبلة.

إلا أن كثيرين يقطعون أن هذا اللقاء لن يكون أكثر من عنوان، أما المضمون والنتائج فقد أعدتهما واشنطن سلفا، وأن المسرحية السياسية ستجري، بتمام فصولها الدبلوماسية، وأن مستوطني المستعمرة الخضراء الجهلة، وكما جرت عادتهم، وقبيل عودتهم بربع ساعة، سيضعون خلاصة بنتائج المفاوضات، ولن تسفر المفاوضات عن جديد سوى موضوع تأكيد أهمية تجديد أو استمرار الاتفاق الأمني بين البلدين، وإشارة إلى وضع حد للنفوذ الإيراني، ولن يستولد الحوار إلا فأرا.

ومهما أسفر الحوار عن نتائج فإن الأهم أن تضع الثورة الشبابية في العراق أفقا استراتيجيا لحراكها السلمي وأن تعدّ مشروعا لإجراء محاكمة شعبية لمحاسبة القتلة واللصوص، بالتنسيق مع مركز جنيف الدولي للعدالة، فالشباب هم ممثلو العراق، الآن، إلا أن حراكهم لم يفرز، إلى الآن، قيادة يمكن أن تمثلهم، رغم أن قوة الحراك السلمي أنه متحرر من أي سلطة (حزبية)، لكنه يحتاج إلى خارطة أهداف.

النقطة الأكثر أهمية في هذا، أن كل المنتمين إلى الطبقة السياسية، التي جاءت، برفقة عربة الاحتلال، ومنهم مصطفى الكاظمي، ينطلقون جميعا من مصلحتهم الشخصية أولا وتاليا، ولا أثر لمساع يبذلونها من أجل العراق، ولذلك فإن الكاظمي لن يذهب إلى واشنطن لمفاوضات أو حوار، وإنما لسماع إملاءات من الجانب الأميركي، وهذا ما لم يقله أحد، صراحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى