د. لاهاي عبد الحسين

 

تزخر الحملة الانتخابية لاختيار مجلس نوّاب عراقي جديد بمشاهد وأمثلة تسلط الضوء على هشاشة الترتيبات والضوابط المتخذة لإدارتها وبخاصة على مستوى الاهتمام بوضع مدونة للسلوك الأخلاقي المقبول اجتماعياً. تتحدد مدونة السلوك الأخلاقية بمنظومة القيم والمعايير السائدة في المجتمع والتي يفترض أنْ يلتزم بها المرشح أو المرشحة لشغل وظيفة عامة. وكان لما تمّ تداوله مؤخراً بشأن فيديو مفترض لمرشحة في وضع مزري أنْ سلّط ضوءاً كاشفاً الكثير من ردود الفعل الاجتماعية التي عبّرت عن التشنج والخلط والاضطراب بالقيم والمفاهيم التي يحملها الناخبون والمسؤولون على السواء.

أخذت المواقف المعبّر عنها بشأن الفيديو المفترض أشكالاً متباينة لم يكن الموقف الأخلاقي الشهم الذي دعا إلى احتواء الموضوع والتوقف عن إطلاق الأحكام المتسرعة أقلها بل كان أكثرها حضوراً، وبقوة. الحق، لا لوم على مواطنين شعروا بالخذلان وخيبة الأمل مما كشف عنه على افتراض أنّه صحيح وحدث فعلاً. فهذه من قبيل الأمور الحساسة وبخاصة على مستوى الدخول في العملية الانتخابية التي تعتبر نوعاً من أنواع التشريف باحتمال الفوز بثقة المواطنين فكيف اذا ما فرّط المرشح بتلك الثقة وعبّر بالمحصلة عن احتقاره لقيمهم ومقاييسهم! من جانب آخر، اختلف المتجادلون حول كيفية تقييم الواقعة في ضوء تداخل كثير من العوامل بضمنها السياسية والمخابراتية التي ظهرت من خلال التركيز على شخص المرأة وحجب صورة الشخص المتورط معها. وذهب البعض المثالي إلى اعتبار المسألة شخصية وموضوع حرية فردية لا تستوجب كل هذه الضجة والاهتمام، فيما سخر البعض الآخر وشرع بالتعميم من خلال التأكيد على كون المعنية”بروفيسورة وجدة وأم وزوجة...". مما لا شك فيه أنّ ذلك الفيديو عرّض المرأة المتورطة فيه إلى العار والرذيلة ولم يكتف بالإساءة إليها وإلى عائلتها بل وإلى المجتمع بنسائه ورجاله وشيبه وشبانه. الا إنّ التعميم والإساءة إلى النساء وفي مقدمتهن المشتغلات في مجال التعليم العالي من التدريسيات المثابرات ومن قبل أشخاص يقدمون أنفسهم على اعتبار أنّهم تقدميون وتحرريون ومدنيون يدعو للتساؤل عن مدى رسوخ القيم التقدمية والتحررية المدنية في عقولهم وقناعاتهم. لا يخلو مجتمع من حالات من هذا النوع تطل برأسها بين فترة وأخرى لتفزع وتهز وتروّع إلا أنّ ما يفترض أنْ يخلو منه المجتمع هذا الميل للتسرع في إطلاق الأحكام والتعميم على فئات اجتماعية واسعة من خلال حالة فردية معزولة سرعان ما قيل أنّها مفبركة. وتوالت ردود الفعل الرسمية، لتعلن كتلة النصر التي تنتمي إليها المرشحة سحب ترشيحها فيما قررت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تشكيل لجنة تحقيقية وسحب يد التدريسية لحين البت في براءتها وتكذيبها له.

عموماً، لا ينجو أحد في أكثر البلدان انفتاحاً وممارسة للحرية الفردية وتشجيعاً لها كما في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا من التسقيط في حالة من هذا النوع. فالتقدم للحصول على وظيفة عامة مسؤولية تفترض كل ما يؤكد مصداقية وسلامة السلوك الشخصي للمرشح وتخلصه من أيّ شائبة يمكن أنْ تنال منه وتسيء إليه بمنظور العامة. تهتم هذه البلدان بأمور من هذا النوع إلى درجة أدت إلى إسقاط شخصيات سياسية رفيعة المستوى أو فنانين كبار ونجوم رياضة بلغوا من الشهرة والمحبوبية ما بلغوا. والأمثلة كثيرة ومتداولة ومروّج لها. لطالما أنهي أمر مرشحين للرئاسة الأمريكية مثلاً من الجولات الأولى للترشيح بسبب افتضاح سلوك من هذا النوع وأحياناً أقل منه بكثير كأنْ يضبط المرشح في جلسة سمر مع مراهقات أو أنْ تكون لديه صديقة خارج إطار الزوجية حتى وإنْ كان مطلّقاً أو أرمل، وعليه فهو حر قانونياً واجتماعياً. تدخل سلوكيات من هذا النوع دائرة المحظور أدبياً وعرفياً خاصة عندما تكشف وتعلن على الملأ. ويكمن الحل في قيام المؤسسات على اختلافها بوضع مدونات السلوك الأخلاقي للتأكد من سلامة الصحة البدنية والنفسية والاجتماعية له/لها قبل الموافقة على منح فرصة العمل أو التفويض بممارسته. ويتزايد الاهتمام بتطبيق قواعد المدونة السلوكية كلما زادت أهمية المؤسسة المقصودة. تبذل مؤسسة ناسا لبحوث الفضاء، على سبيل المثال، جهوداً كبيرة في هذا المجال لضمان أنْ يكون الكادر المشتغل لديها مؤهلاً بصورة قطعية وحقيقية ونهائية من النواحي الأدبية والأخلاقية. لا مجال للخطأ أو سوء الحسابات بقدر تعلق الأمر بالمنظومة القيمية والمعيارية في المجتمع في مؤسسات العمل. ولطالما بلغ مستقبل المتجاوزين على المنظومة الأخلاقية للمجتمع نهايته لهذه الأسباب لا فرق في ذلك بين إمرأة ورجل.

سلّطت الحادثة المشار إليها في العراق – على افتراض أنّها صحيحة - الضوء على أحد أهم جوانب الأداء العشوائي والركيك في ما يتعلق بضوابط وقواعد اختيار المرشحين واستهانة الكتل والأحزاب المتنافسة في العملية الانتخابية بها. يطالب المواطن العراقي بشهادة”حسن سيرة وسلوك”حسب قانون الخدمة المدنية عند التقدم للحصول على وظيفة حكومية والتي تغطي عادة جوانب مهمة من سلوكه ولكنّها اليوم وفي المنافسة الأكثر خطورة على مستقبل البلاد تهمل ولا تكاد تذكر وهذا ما ذكّرت الحادثة به. كما سلطت الحادثة المذكورة الضوء على تهافت أداء المفوضية العليا للانتخابات التي لم يسمع لها صوت في تناول الموضوع. شكراً لجهود كوادر وزارة الداخلية العراقية لمتابعة الموضوع. بل أدت الحادثة المروّج لها إلى صرف النظر ولو إلى حين عن تجاوزات أخرى مهمة اعترت العملية الانتخابية التي وقع بشأنها رؤساء الكتل والأحزاب المتنافسة وبرعاية أممية على”وثيقة شرف".

اهتمت وثيقة الشرف بمعالجة البعد الطائفي والعرقي خطابياً لأيّ من المكونات العراقية وأكدت على الابتعاد عن التسقيط والتشهير بين المرشحين وعدم التورط بعمليات تزوير ودعم عمل مفوضية الانتخابات والامتناع عن التدخل بشؤونها لضمان حياديتها والتعاون لتعزيز الجهود الدولية لمراقبة العملية. وفي الوقت الذي انشغل فيه الناس بهذا الموضوع، استمر واقع الحال في أنْ يشهد تجاوزات على صور المرشحين من قبيل التمزيق أو الرش بمواد كيمياوية تظهر الإزدراء والاستقواء من البعض على البعض الآخر. هذا إلى جانب الطريقة التي يمارس فيها المرشحون من مختلف الكتل والأحزاب والجماعات عملية الدعاية لأنفسهم بتجاوز رؤساء كتلهم والتقافز عليهم وتشتيت جهودهم من خلال توسيع دائرة الانتشار في الوقت الذي سيضمن فيه المرشح فرصة أفضل للفوز إذا ما أحسن استهداف المنطقة التي يروم العمل فيها والتي رشّح من قبل كتلته لتمثيلها.

لا تستغني مؤسسة عمل أيّاً كان نوعها عن مدونة سلوكية أخلاقية ولجان انضباط تضع الأمور في نصابها السليم ليس بالتغاضي والتغطية، وإنّما بالمكاشفة والمواجهة وقطع دابر الاسترسال والاستفاضة للحيلولة دون أنْ يصبح الخلل الفردي مادة قابلة للتعميم على فئات اجتماعية واسعة ومهمة في المجتمع مثل جمهور النساء فيه والتدريسيات في الجامعات العراقية على وجه التعيين. لا يعالج القانون قضايا من هذا النوع إنّما تعالجها المدونات السلوكية الأخلاقية التي تتطلب التحديث والتطوير المستمر وبالطريقة التي تمكن من الدخول في التفاصيل الدقيقة لكيفية تشكّل سلوك المرشح. يحصل هذا لضمان المحافظة على كرامة المرشح وكرامة الجماعة التي ينتمي إليها والاستعداد لتلقي العقوبة التي توقفه/ توقفها عند حدّه في حالات التجاوز وخيانة شرف المهنة. لم يعد كافياً ترك أمور من هذا النوع إلى الأعراف السائدة التي تدعم الحسن وتأنف من الرديء إنّما لا بدّ من تثبيت مدونات تصمم بحسب حاجة المؤسسة وطبيعة عملها ليدرسها المرشحون ويتدربون عليها ليس لأغراض التقمص والتمثيل وإنّما لاستدخالها ذاتياً لتصبح دليل عمل وضابط يعمل داخلياً.

لم تكن هذه هي الحالة الأولى ولن تكون الأخيرة ولكنْ آن للمجتمع العراقي الفخور بعمقه الثقافي والحضاري أنْ يولي اهتماماً أكبر لمستلزمات ممارسة الحياة السياسية في الزمن المعاصر وعدم الاكتفاء بإطلاق الأحكام والتعبير عن مواقف أخلاقية لا يختلف عليها إثنان. آن له إدراك أهمية المعرفة وبخاصة المعرفة العلمية التي تقدمت اليوم على الأيديولوجيات الثابتة والجامدة والأفكار الجاهزة المسبقة في معالجة ما يواجهه من تحديات. ويبقى مهماً التأكيد على إدراك أنّه لم يعد مناسباً الاكتفاء بطي الصفحة وعبورها فقط في الحالتين، صحّت الحادثة أم لم تصح.

 

*نقلا عن "المدى"